نشأة السينما في العالم

تُعتبر السينما واحدة من الاكتشافات التي غيرت نمط حياة الكثير من الناس, فبواسطة السينما سُلطت الأضواء على العديد من الثقافات, و تطلعنا لعادات و تقاليد شعوب أخرى, و عرفنا المزيد عن الحياة البرية من خلال الأفلام الوثائقية. كما أن للسينما دور مهم في الترويح عن النفس و نسيان المشاق اليومية للحياة .و لكن قبل الخوض في الحديث عن بداية السينما يلزمنا أولا أن نأخذ نبذة صغيرة عن الأداة التي كان لها الدور الرئيسي في نشأة السينما, ألا وهي "الكاميرا".


مرَّ اختراع الكاميرا على يد العديد من العلماء, و كان أولهم العالم العربي المسلم الحسن ابن الهيثم المختص في علم الضوء و البصريات. بعد أن سُجن ابن الهيثم في عهد الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله, لاحظ عبور ضوء الشمس عبر ثقب صغير في حائط السجن منعكسا على الحائط المقابل حاملا معه صورة شجرة مقلوبة متواجدة خارج السجن.

في عام 1660 طور العالم الايرلندي روبيرت بويل هو ومساعده الكاميرا البدائية وأدخلوا لها الأضواء, وفي عام 1685 ابتكر العالم الألماني جوهان تزان نظام الصورة وترتيب لون أي صورة وصنع آلة تصوير كبيرة من الخشب، وبين عامي (1820- 1830) ابتكر العالم لويس داجير طريقة في التصوير الضوئي التي عرفت بـ Daguerreotype والتي كانت تصور على النحاس، وفى عام 1835 ابتكر العالم الفرنسي وليم فوكس تالبوت نظام فوتوغرافي جديد سمي بـ Calotype والتي كانت على الورق. أول صورة فوتوغرافية حقيقية كانت عام 1826 على يد العالم الفرنسي جوزيف نيبس عندما أستخدم الدوار الخشب ليحفظ الفيلم وقد صنعت آلة التصوير هذه في باريس على يد الأخوان تشارلز و فينسينت شيفالير، وقد أستخدم جوزيف نيبس فكرة العالم الألماني جوهان هينريتش وهي تعريض خليط الفضة مع الطباشير إلى الظلام ومن ثم الضوء المفاجئ فتتثبت الصورة. وفى عام 1850 أخترع العالم الألماني فريدريك سكوت فكرة ظهور الصورة على الزجاج والتي تسمى Collodion.

 تطورت الكاميرا في منتصف القرن 19 على يد علماء كثيرين منهم العالم الفرنسي أندريا أدولف الذي أخترع طريقة لتصوير فيلم بالصور وهي أن يكون الفيلم على شكل بطاقات صغيرة تتوالى بسرعة معينة. أول صورة ألوان كانت عام 1861 على يد العالم الفيزيائي جيمس ماكسويل بمساعدة المصور توماس سوتون وكانت تُعتبر مجرد تجربة للصورة الملونة.

استخدم ابن الهيثم عبارة "البيت المظلم" على اكتشافه و قد ترجمت العبارة باللاتينية إلى "Camera obscura" لتعطينا الكلمة المستعملة حاليا "Camera" أو "القُمْرَة" بالعربية.


ميلاد السينما :
بداية السينما تعود إلى سنة 1895 حيث قام الأخوين Auguste  و  Louis Lumiere باختراع أول جهاز قادر على عرض الصور المتحركة على الشاشة في 13 فبراير 1895, و أول عرض كان في 28 دجنبر من نفس العام في قبو Grand Café الواقع في شارع Capucines , باريس. كما شاهدت نيويورك أول عرض عام للصور المتحركة في أبريل 1895, بعدها تمكن آرمان و جينكينز من اختراع جهاز للعرض أفضل من سابقه استخدماه في عرض لهما في سبتمبر من نفس السنة, و استُدْعِيا من طرف المخترع توماس إديسون لينضما لشركته التي كان يرأسها قصد استغلال جهاز Kinetoscope . وفي العام التالي تمكن إديسون من صنع جهاز للعرض يجمع بين مزايا الجهازين، وأقام أول عرض عام له في أبريل 1896 فلقي نجاحاً كبيراً.
إلى حدود سنة 1926 كانت صناعة الأفلام بدائية تماما حيث لم يكن أي حوار على الإطلاق, ولم يكن الصوت إلا بعض المؤثرات الصوتية الخاصة, و معظم الأفلام كانت وثائقية و تسجيلات لبعض المسرحيات, و أول دراما روائية كانت مدتها حوالي خمس دقائق. إلا أن السينما غدت مألوفة لدى الجمهور مع الفنان الروائي الفرنسي Georges Melies مع رواته المصورة "رحلة إلى القمر" " A Trip to the Moon" و ذلك سنة 1902.بعد تجربة Georges Melies تكثفت الجهود للرُّقي بعالم السينما و كثرت محاولات تحسين عملية مونتاج الأفلام لإدماج الصوت مع الصورة و كانت بداية جيدة لصناعة الأفلام و اشتهرت العديد من الأسماء من بينها Charlie Chaplin و David Griffith.


في عام 1927 ظهر أول فيلم ناطق تحت عنوان " The Jazz Singer" للمخرج Alan Crosland و ظهرت كذلك أفلام أخرى و بدأ استخدام تدريجي للألوان و بدأت ظهور الرسوم المتحركة, كما برزت في هذه المرحلة أسماء جديدة في المجال كـ Clark Gable, John Ford, Frank Capra. وفي هذه المرحلة أيضاً بدأت نوعية الفيلم تزداد أهميتها مع ظهور جوائز الأوسكار، وحب الجمهور للسينما. و بدأ يمكن التمييز بين الأفلام التي كلّفت أموالاً كثيرة عن الأفلام التي لم تكلِّف كثيراً، وبالرغم من أن التقنية المستخدمة في صناعة الفيلم كانت ما تزال بدائية، لكنها بهرت العديد من رواد السينما.

بعد الحرب العالمية الثانية حدثت الكثير من التغيرات حيث ازدهرت أفلام الكوميديا و احتلت الأفلام الغنائية الصدارة و ظهرت أفلام الرعب و الخيال العلمي و سطع نجم العديد من الأسماء كـ Humphrey Bogart، Audrey Hepburn، Henry Fonda، Fred Astaire.

بين السنتين 1955 - 1966 عرفت السينما قفزة نوعية, حيث تطورت التجهيزات الفنية للفيلم كالموسيقى و الديكور و غير ذلك, و بدأ المخرجون بالتركيز على موضوعات أكثر نضجا, و أضحت أفلام الألوان غالبة على أفلام الأبيض و الأسود, و ضمت السينما الأسماء الكبيرة مثل Alfred Hitchcock, Marilyn Monro, Elizabeth Taylor,Dustin Hoffman.

إدماج الكمبيوتر في عالم صناعة الأفلام أعطاه دفعة قوية نحو التطور, حيث بدأت ظهور التقنيات الحديثة لإضافة المؤثرات السمعية و البصرية. في هذا الوقت تم إنتاج فيلم " Star Wars" للمخرج George Lucas سنة 1977,بعدها  تقدَّم الفيلم السينمائي خطوة خطوة، من الرسوم، إلى الصور الفوتوغرافية، إلى الصور المطروحة على الشاشة، إلى الصوت، إلى اللون، إلى الشاشة العريضة، إلى شاشة الأبعاد الثلاثية، بل ما تزال التجارب العلمية جارية لإضافة حاسة الشم للتجربة الفيلمية بإطلاق عطور أثناءها.


السينما العربية :
بداية السينما العربية كانت موازية مع بداية السينما العالمية, فبعد أول عرض للأخوين موليير في فرنسا قاموا بجولة في العالم العربي و تحديدا في مصر, و قدموا أول عرض في مقهى زواني بمدينة الإسكندرية في يناير 1896, وتبعه عرض ثاني بمدينة القاهرة في نفس السنة في سينما سانتي، ثم كان العرض السينمائي الثالث بمدينة بورسعيد في عام 1898.

افتتح الأخوين لوميير أول دار سينماتوغرافية بالإسكندرية و استعانوا بأول مصور أنذاك و هو "بروميو" الذي تمكن من تصوير بعض المواقع بمصر و تم عرضها بدار سينما لوميير.

تعتبر سنة 1917 هي بداية السينما المصرية بامتياز حيث استطاعت شركة الإنتاج الإطالية-المصرية من إنتاج أول فيلمين مصريين وهما "الشرف البدوي" و "الأزهار الميتة" مع الممثل السينمائي العربي الأول محمد كريم, وتم عرضهما بالإسكندرية أوائل سنة 1918.بعدها توالت صناعة الأفلام العربية و برزت عدة أسماء انذاك كـ عزيزة أمير (وهي أول سيدة تشتغل بالسينما), يوسف وهبي, محمد عبد الهاب, أمينة رزق و فاتن حمامة.و في 4 سبتمبر 1950 أنتج أستوديو مصر ‏فيلم "بابا‏ ‏عريس" للمخرج حسين فوزي, وهو‏ ‏أول‏ ‏فيلم‏ مصري ‏كامل‏ ‏بالألوان‏ ‏الطبيعية‏ ‏بطولة‏ نعيمة عاكف و فؤاد شفيق و شكرى سرحان.

انتقلت السينما إلى باقي الدول العربية, فبعد مصر تأتي سوريا بأول فيلم لها "المتهم البريء" سنة 1928,ثم لبنان بفيلم "مغامرات الياس الحبروك" للمخرج الإيطالي جوار دانوبيدوتي سنة 1929,و في فلسطين فقد بدأت السينما مع إبراهيم حسن سرحان عندما صور الملك سعود خلال مجيئه لفلسطين عام 1935 و قد عُرض هذا الفيلم في سينما "أمير" بتل أبيب و مدته عشرون دقيقة. في العراق تم انتاج أول فيلم مطول "الأسوار" سنة 1977, أما الجزائر ففي سنة 1946 لم تكن فيها سوى مصلحة فوتوغرافية واحدة و في سنة 1947 أنشأ فيها الفرنسيون مصلحة سينمائية أنتجت العديد من الأشرطة القصيرة و تُرجمت الى لغتين, و من بين هذه الأعمال نجد فيلم "القيصرية" و "الإسلام" سنة 1949 و "العيد غير المنتظر" سنة 1959.

أما في المغرب فقد تم تشييد المركز السينمائي المغربي سنة 1944 أي في ظل الإستعمار, و بعد نيل المغرب لاستقلاله ظل ميدان السينما يفتقد لمقومات إثبات الوجود و التقدم, حيث تم انتاج الجريدة السينمائية و كذا الأنباء المغربية التي كانت تُوزَّع على مختلف دور العرض كل جمعة و كانت تُذاع باللغة العربية و الفرنسية و الإسبانية, كذلك تم إنتاج أشرطة قصيرة وثائقية و تربوية و كل عام كان ينتج المركز السينمائي المغربي حوالي ثمانية أشرطة بالأبيض و الأسود و أحيانا بالألوان, و أول شريط سينمائي ناطق بالعربية تم إصداره سنة 1946 تحت عنوان "الباب السابع" و كان في الأصل بالفرنسية, و قام بأدواره ممثلون مغاربة و عُرض في جميع أنحاء المغرب و كذلك في فرنسا على الجمهور العربي.

عرفت صناعة الأفلام في تونس مستوى متميز, ففي أكتوبر 1979 تم إنتاج فيلم "شمس الضباع" للمخرج رضا الباهي, و قد فاز الفيلم بالجائزة الذهبية لمهرجان دمشق السينمائي. أما في الكويت فيعود الفضل للمخرج خالد الصديق الذي أبلى البلاء الحسن للنهوض بالقطاع السينمائي حيث أنتج فيلمين "بس يا بحر" و "عرس الزين".

و في الأخير,و بعد سرد هذه الملحمة التاريخية لمشوار السينما عبر العصور, أدعوكم لمشاهدة أول شريط سينمائي في العالم للمخرج الفرنسي Georges Melies بعنوان " A Trip to the Moon", كما أن هذا الشريط شاهد على مدى التطور الرهيب الواقع في مجال صناعة الأفلام من سنة 1902 إلى حدود الآن.فرجة ممتعة.




الكاتب : هشام صلاح

شارك على Google Plus

التعليقات

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق